محمد بن عبد الملك الشنتريني الأندلسي ( ابن السراج )

788

جواهر الآداب وذخائر الشعراء والكتاب

وأما الألفاظ المفردة فينبغي أن يكون منها على ذكر كألفاظ الهمذاني « 1 » وما شاكلها . وإن أمكن حفظ الخطب السّابقة ، والرّسائل الصّائبة ، كان أحسن . وقالوا : جماع « 2 » البلاغة في المعرفة بساعات القول ، وقلّة التّلبّس « 3 » بما التبس من المعاني أو غمض ، وترك ما تعذر من القول وشرد . وقالوا : لا ينبغي أن يستعان على المنطق بتحريك جارحة ، قال زياد لابنه عبيد اللّه - وقد أراد إيفاده إلى معاوية - : « إذا دخلت على أمير المؤمنين ، فاصفح صفحا جميلا ، ولا يرى منك تهالكا إليه ، ولا انقباضا عنه » . وإنّما أوصاه بذلك ؛ لأن التهالك سبب العجلة والزلل ، والانقباض سبب العيّ والحصر « 4 » . وقالوا : ينبغي أن يكون في صدر كلامك دليل على حاجتك ، وأن تفرّق بين صدر خطبة النّكاح وخطبة الصّلح حتّى تجعل لكل فنّ صدرا يدلّ على عجزه ، وأوّل يشير إلى آخره . ويروى أنّ شابا حدث السّنّ توسّل إلى عمرو بن مسعدة بالكتابة ، فغاظه ذلك ، وقال : أحضر الدّيوان ليقع عليك الامتحان . فأتى كتاب من صاحب البريد ، يذكر فيه أنّ بقرة ولدت غلاما . فرمى إليه بالكتاب ، وقال له : أجب عنه ، فأخذ القرطاس ، فكتب « 5 » : « الحمد للّه ، خالق الأنام في بطون الأنعام » . فلّما رأى ذلك جذب القرطاس من يده غيرة على صناعته / وكراهة أن يأتي فيما بعد بما يشاكله ،

--> ( 1 ) ذكر الشّيء ذكرا وذكرا : حفظه واستحضره وجرى على لسانه بعد نسيانه ( تاج العروس : ذكر ) ، ويشير بألفاظ الهمذاني إلى كتابه ( الألفاظ الكتّابيّة ) طبع عدة مرات آخرها بمراجعة الدكتور السيد الجميلي ، والهمذاني هو عبد الرّحمن بن عيسى بن حماد : كاتب بكر بن عبد العزيز أبي دلف العجليّ ، وإمام في اللّغة والنحو ، وشاعر أديب فاضل أخباري . ت نحو 320 ه - 922 م ( إنباه الرواة 2 / 165 ، والفهرست 1 / 137 - 167 ، ومقدمة كتابه ص 9 ، ومعجم المؤلفين 5 / 163 - 164 ) . ( 2 ) جماع كل شيء : مجتمع أصله الشامل لما فيه ( تاج العروس : جمع ) . ( 3 ) بالمخطوط : « التلبس بها » خطأ . وتلبّس تلبّسا والتبس الأمر : اختلط وأشكل ( تاج العروس : ليس ) . ( 4 ) العيّ : العجز عن التعبير وعدم الاهتداء لوجه المراد . والحصر : ضيق الصّدر ، والعيّ في المنطق ، وعدم القدرة على الكلام عجزا ( تاج العروس : عيي ، حصر ) . ( 5 ) هذا الخبر في ( الذخيرة 1 / 160 - 161 ) مع اختلاف .